
أكد وزير الري، لوناس بوزقزة، من ولاية وهران، أن الجزائر قطعت أشواطاً كبيرة في تعزيز أمنها المائي بفضل رؤية استراتيجية شاملة تبنتها السلطات العليا في البلاد، وعلى رأسها رئيس الجمهورية، ترتكز على تنويع مصادر المياه وتطوير المنشآت الكبرى وتوسيع الاعتماد على الحلول البديلة، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر، بما يضمن استقرار التموين بالمياه الصالحة للشرب عبر مختلف ولايات الوطن.
وخلال زيارة العمل والتفقد التي قادته إلى ولاية وهران، شدد الوزير على أن قطاع الموارد المائية يحظى باهتمام بالغ من قبل الدولة التي سخرت إمكانات مالية معتبرة لتجسيد مشاريع ضخمة واستشرافية تهدف إلى مواجهة تحديات التغيرات المناخية وتذبذب التساقطات المطرية، وضمان تزويد المواطنين بالمياه في مختلف الظروف، مع تعزيز مبدأ العدالة والتوازن بين مختلف مناطق البلاد.
وأوضح الوزير أن الاستراتيجية الوطنية للموارد المائية تقوم على محورين أساسيين يتمثل الأول في تعبئة الموارد المائية بمختلف أشكالها، بينما يرتكز الثاني على تحسين أنظمة التسيير والتوزيع والرقمنة، بما يسمح بالاستغلال الأمثل للموارد المتاحة وتقليص الضياع وتحقيق النجاعة المطلوبة.
24 سدا جديدا قيد البرمجة و16 محطة تحلية تعزز التوازن المائي الوطني
وفي هذا الإطار، أبرز المسؤول الأول عن القطاع المكانة التي تحتلها السدود ضمن السياسة الوطنية للمياه، مؤكداً أن الجزائر تمتلك حالياً 82 سداً مستغلاً عبر مختلف الولايات، بنسبة امتلاء تجاوزت 60 بالمائة خلال السنة الجارية، وهو ما يمثل مخزوناً مائياً يقدر بنحو 4.5 مليار متر مكعب. كما أشار إلى أن مشاريع إنجاز عدد من السدود الجديدة في ولايات خنشلة وعنابة والطارف توجد في مراحلها النهائية، فضلاً عن جاهزية الدراسات الخاصة بإنجاز 24 سداً إضافياً مستقبلاً.
وأكد الوزير أن الدولة لم تعد تعتمد فقط على السدود كمصدر رئيسي للمياه، بل وسعت رؤيتها لتشمل مشاريع التحويلات الكبرى التي تسمح بنقل المياه من المناطق التي تتوفر على احتياطات مائية معتبرة نحو المناطق التي تعاني من نقص أو عجز، ما يعزز التضامن المائي بين الولايات ويضمن توزيعاً أكثر توازناً للموارد على المستوى الوطني.
وفي سياق متصل، توقف الوزير عند ما وصفه بـ”الثورة الحقيقية” التي تعرفها الجزائر في مجال تحلية مياه البحر، مبرزاً أن البلاد أصبحت من الدول الرائدة إقليمياً في هذا المجال بفضل امتلاكها 16 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 3.6 مليون متر مكعب يومياً. وأوضح أن البرنامج الوطني الجاري تجسيده، والذي يشمل محطات كبرى وأخرى صغرى، سيمكن من تدعيم التموين بالمياه لفائدة 16 ولاية ساحلية وداخلية، حيث تمتد شبكات الربط لمسافات تصل إلى 250 كيلومتراً داخل اليابسة، بما يسمح بتزويد ولايات بعيدة عن الساحل على غرار تيارت والبيض والنعامة وسعيدة وعين الدفلى، إضافة إلى البليدة والبويرة وسيدي بلعباس.
كما تطرق الوزير إلى المشاريع الموجهة للجنوب الكبير، مؤكداً أن السلطات العمومية تعمل على تجسيد برامج خاصة لمعالجة المياه الجوفية وإزالة المعادن والأملاح منها، لاسيما في ولايات تندوف وتمنراست، بما يضمن توفير مياه ذات نوعية جيدة للسكان ويكرس مبدأ العدالة الاجتماعية والتوازن التنموي بين مختلف مناطق الوطن.
وعلى الصعيد المحلي، خص وزير الري ولاية وهران بإشادة واسعة، معتبراً إياها نموذجاً وطنياً ناجحاً في مجال التسيير العصري للموارد المائية، وتجربة تستحق التعميم على باقي ولايات البلاد. وأوضح أن خصوصية وهران باعتبارها قطباً اقتصادياً وصناعياً وسياحياً كبيراً يضم أكثر من 2.5 مليون نسمة ويستقبل سنوياً ملايين الزوار، فرضت تحديات كبيرة في مجال التموين بالمياه، غير أن الولاية تمكنت من تحقيق نتائج لافتة بفضل اعتمادها على رؤية متكاملة وتسيير حديث للمنشآت المائية.
وأشار الوزير إلى أن وهران تنتج حالياً أكثر من 650 ألف متر مكعب من المياه يومياً، مع اعتماد يفوق 80 بالمائة على الموارد غير التقليدية، خاصة من خلال أربع محطات كبرى لتحلية مياه البحر تتمثل في محطات المقطع والشط والهليلات وكهرماء، إلى جانب الاستفادة من الموارد التقليدية والآبار، وهو ما سمح بتأمين احتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
كما أثنى بوزقزة على المستوى الذي بلغته مؤسسة المياه والتطهير لوهران “سيور” في مجال الرقمنة والتسيير الذكي، مشيراً إلى اعتمادها على أنظمة التحكم عن بعد واستغلال البيانات الدقيقة في متابعة الشبكات والمنشآت، فضلا عن جهودها في محاربة التسربات المائية والربط العشوائي، مؤكداً أن هذه الأساليب الحديثة أصبحت ضرورة حتمية في ظل التحديات الحالية ولم يعد مقبولا الاعتماد على طرق التسيير التقليدية.
وفي سياق متصل، نوه الوزير بالنتائج المحققة في مجال التوزيع العادل للمياه عبر مختلف بلديات الولاية دون استثناء، معتبرا أن تجربة وهران أثبتت إمكانية تحقيق استقرار في التموين حتى خلال الفترات التي تشهد ضغطاً كبيرا على الشبكات، مشيرا بالوضعية التي سجلت خلال عيد الأضحى المبارك، والتي عرفت تحسنا ملحوظا مقارنة بالسنوات السابقة.
ودعا المسؤول ذاته إلى تعميم بعض التجارب الناجحة التي تم اعتمادها بوهران، خاصة ما تعلق بإعادة استخدام المياه المعالجة في سقي المساحات الخضراء والمناطق الصناعية، باعتبارها خيارا استراتيجيا يساهم في الحفاظ على الموارد الجوفية وتوجيه المياه الصالحة للشرب نحو الاستعمالات ذات الأولوية.
واختتم وزير الري تصريحاته بالتأكيد على أن الجزائر تمتلك اليوم كل المقومات الضرورية لتحقيق استقرار مائي دائم، بفضل المشاريع المنجزة وتلك التي توجد قيد الإنجاز، مشددا على أن تضافر جهود الإطارات والعمال عبر مختلف مستويات القطاع سيمكن من رفع التحديات المستقبلية وضمان وصول المياه بشكل منتظم إلى كل المواطنين عبر كامل التراب الوطني، في إطار رؤية تنموية شاملة .
ب. ليلى




