
“أنتم تقهرون وطنكم، تحرقون مشاعر الانتماء، تفضلون العمل في أبسط المهن المتاحة لكم خارج بلدكم، لكنكم ترفضون العمل في الفلاحة والنظافة والبناء والترصيص ووو…بجزائركم”. هذا ما قاله المجاهد “محمد بن عبورة” وهو يتحدث عن ظاهرة “الحرقة” التي تحولت إلى يوميات الشباب ليس الجزائري فقط وإنما المغاربي والإفريقي، لتحقيق حلم العيش الرغيد بالغرب.
وأضاف المجاهد “محمد بن عبورة” في حديثه إلى “منبر القراء” أن الحرقة اليوم سببها سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي ومحتواها على ذهن الشباب، الذي يرى مظاهر البذخ والحياة الرغيدة خارج أوطانهم، فأصبحت الحياة العادية لهم بمثابة عقوبة، بعد اقتناعهم بفكرة خاطئة وهي أن الحياة الفارهة التي يعيشها الفرد الأوروبي، لا تستدعي منه بذل جهد، ولا تكوين ولا دراسة ولا عمل شاق. بينما الحقيقة حسبه هي أن الأوروبي يتجه إلى مراكز التكوين ولا يعاف أية مهنة أو حرفة متاحة، ما يهمه هو تحصيل مدخول يضمن له حياة كريمة، إلى جانب أن حياته منظمة، عكس شبابنا الذي يبحث عن “الجاهز” ويرفض العمل في مهن متعبة، كما أنه يرفض الالتحاق بالتكوين المهني. مشيرا إلى أن ابنه “احميدة” سبق له وحرق إلى أوروبا عبر شاطئ “الرأس الأبيض” ببوتليليس رفقة 8 من أصدقائه من حي “سانت انطوان” بوسط مدينة وهران، سنة 2007 رغم أنه لم يكن يحتاج إلى شيء، بل كان هدفه اكتشاف الحياة الأوروبية الحقيقية بعدما شاهدها في التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، ولكنه عاد بعد فترة بعدما اصطدم بحقيقة الحياة العادية وصعوبة ضمان حياة الرفاهية التي كان يتخيلها.
لكن الغريب في الموضوع هو أن المتحدث نفسه “محمد بن عبورة” يعتبر “عميد الحراقة” لأنه أول من هاجر بطريقة غير شرعية من وهران إلى مرسيليا بفرنسا ذهابا وإيابا سنة 1950، عبر باخرة “جبل عبور” عندما كانت راسية بميناء وهران شهر فيفري، أين تسلل رفقة صديقه “المغربي” إليها واختبأ بين الحيوانات التي كانت تقلها إلى فرنسا، وواجها الموت الحتمي بين الأمواج لمدة 50 ساعة، وقد عانا من قلة المال وعدم تمكنهما من الظفر بمنصب عمل، فعادا إلى وهران مرة أخرى عبر الباخرة ذاتها، لكن هذه المرة محملة بالأجبان والمشروبات، رحلة دامت أسبوع مليئة بالمغامرات والعراقيل، التي استوقفتهما وكبحت أحلامهما، خلد تفاصيلها في كتابه “مشوار مقاوم وهراني” الصادر عن دار الغرب في 2006. مشيرا إلى أنه قام بذلك بعدما رأى تعب والدته وهي تشتغل لدى المعمرين، فرغب بالبحث عن عمل ليريحها من تعبها، لكن الظروف خالفته، لكنه عاد والتحق بمسابقات عديدة، كونه يحمل مستوى تعليمي مقبول وشهادات تكوين، فتمكن من الظفر بعمل قار ضمن الشرطة الفرنسية، لينخرط في صفوف العمل الثوري، بعدما اشتغل في عدة ورشات حرة.
تجربة المجاهد “بن عبورة” أيام الثورة التحريرية، جعلته يلح على أن التكوين أفضل سلاح للشباب، وهو مخرجهم من أزمة البطالة، وأن مستقبلهم الناجح يستوجب عليهم ولوج عالم الفلاحة والمهن الحرة، لأنها مصدر تحقيق الذات، والدليل أنهم يهاجرون لأوروبا، فيلتحقون بمزارع الخضر والفواكه ويشتغلون في قطاع الفلاحة والنظافة، وهي المهن التي يرفضون العمل بها بالجزائر، لنظرتهم الخاطئة إلى الأمور، رغم الأراضي الشاسعة التي تتوفى عليها الجزائر. في الوقت الذي لا ترحم فيه أوروبا القادمين إليها بحثا عن مستقبل مجهول وهم يفتقرون إلى شهادات علمية جامعية في تخصصات مهمة لها كالطب والتكنولوجيا، في حين تحول الباقي إلى عبيد وتعاملهم أقل شأنا من مواطنيها من درجة دنيا. وحتى حلم الزواج بالأوروبيات لضمان المستقبل، سقطت ورقته في الماء، لأن الوضع تغير وأصبح غير مرغوب فيهم، بعدما ساءت سمعة الشاب القادم من شمال افريقيا، بسبب ولوج معظمهم عالم الإجرام، بعدما أغلقت في وجوههم أبواب الجنة ولم يجدوا حياة البذخ التي كانوا يحلمون بها.
“ملف الهجرة غير الشرعية يؤرق السلطات لكنه بحاجة إلى دراسة دقيقة من طرف المختصين وبحاجة إلى تغيير نظرة الدولة إلى آليات التكفل بالشباب، وتحويلهم إلى مصدر تطوير الجزائر وتقدمها، لأن الجزائري لن يشعر بالراحة والأمان إلا بجزائره والجزائر لن تتطور إلا بخدمة أبنائها”. هكذا اختتم المجاهد “محمد بن عبورة” حديثه وهو يتحدث بحرقة عن الحرقة التي أحرقت كل ما هو جميل وحولت مستقبل الشباب إلى جحيم.
ميمي قلان