
فن الفخار تاريخ متجذر وإبداع يقاوم النسيان ببلدية معاتقة بتيزي وزو
تستعد بلدية معاتقة بولاية تيزي وزو لاحتضان الطبعة الثانية عشرة للمهرجان الثقافي المحلي للفخار، الذي تنطلق فعالياته نهار الغد بمتوسطة أونار محمد، في موعد سنوي بات يشكل محطة ثقافية بارزة للاحتفاء بحرفة ضاربة في عمق التاريخ، وصورة ناطقة عن هوية المنطقة وذاكرتها الجماعية.
هذا المهرجان لا يقتصر على عرض منتوجات تقليدية، بل يمثل فضاءً حيًا لاستحضار التراث القبائلي، وتجسيد العلاقة العميقة بين الإنسان والطين، حيث تُشارك أكثر من 90 حرفية وحرفي من معاتقة ومن عدة ولايات الوطن، لاستعراض مهاراتهم في صناعة الفخار التقليدي المزخرف، الذي اشتهرت به نساء المنطقة منذ عقود طويلة.
كل قطعة فخارية معروضة تحكي قصة متكاملة؛ من جمع الطين من الطبيعة مرورًا بعملية التشكيل اليدوي الدقيقة، وصولًا إلى الزخارف الرمزية ذات الدلالات الثقافية العميقة، وانتهاءً بمرحلة الحرق التقليدي في أفران الحطب في مشهد يعكس صبر الحرفيين وإتقانهم المتوارث عبر الأجيال.
وسيكون زوار المهرجان على موعد مع ورشات حية تبرز مختلف مراحل صناعة الفخار، إلى جانب عروض الحرق التقليدي، التي تُمكّن الجمهور من معاينة التحول المدهش للطين إلى قطع فنية تجمع بين الاستعمال اليومي والقيمة الجمالية. كما تتخلل التظاهرة محاضرات علمية تسلط الضوء على رموز وزخارف الفخار القبائلي، وتكشف المعاني الثقافية والأنثروبولوجية الكامنة وراء كل نقش ولون.
وإيمانًا بأهمية نقل الموروث للأجيال الصاعدة، حرص منظمو المهرجان على إشراك الأطفال والشباب من خلال ورشات تعليمية وتكوينية، تهدف إلى ضمان استمرارية هذه الحرفة الأصيلة، وحمايتها من الاندثار في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة.
وتأتي هذه الطبعة تخليدًا لذكرى محافظ المهرجان الراحل مصطفى مزياني، عرفانًا بإسهاماته في خدمة التراث المحلي، وذلك بتنظيم عروض حية للقطع الفخارية والحرق التقليدي، تحت إشراف جمعيات ثقافية، وبدعم من مديرية الثقافة والفنون والمجالس الشعبية المحلية.
ورغم التحديات التي تواجه الحرف التقليدية على غرار المنافسة مع المنتجات الصناعية، يواصل فخار معاتقة تألقه بفضل إصرار الحرفيات ودعم المجتمع المحلي، حيث اتجه بعض الحرفيين إلى ابتكار تصاميم عصرية تحافظ على الروح التقليدية مع لمسة حديثة، ما جعل من المهرجان مساحة للابتكار الفني والتجاري في آن واحد.
يبقى فخار معاتقة أكثر من مجرد حرفة يدوية؛ إنه ذاكرة حية وهوية ثقافية متجذرة، والمهرجان ليس مجرد حدث سنوي، بل رسالة واضحة مفادها أن التراث الحرفي قادر على التجدد، ومواكبة العصر، مع الحفاظ على أصالته ومكانته في المشهد الثقافي الجزائري.




