
احتفالات المولد النبوي الشريف بغرب البلاد … عيد وتقاليد وذاكرة حية
من تلمسان إلى مستغانم, مرورا بوهران ومعسكر وغليزان وعين تموشنت وغيرها من ولايات غرب البلاد, تتجلى مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في تنوع العادات والممارسات والأناشيد والأطباق واللقاءات العائلية, بما يضفي على هذه المناسبة الدينية خصوصية تميز كل منطقة.
وإذا كانت ذكرى مولد النبي محمد, صلى الله عليه وسلم, تشكل مناسبة روحانية ودينية مشتركة, فإن كل ولاية تضفي عليها جانبا من تاريخها وتراثها المحلي. ففي بعض المدن, تصدح الأحياء بالأناشيد الدينية, بينما تجتمع العائلات في مناطق أخرى حول أطباق ووصفات توارثتها الأجيال, في حين تواصل الزوايا إحياء تقاليد روحية عريقة مرتبطة بهذه المناسبة.ويجعل هذا التنوع من المولد النبوي الشريف مرآة حقيقية للتراث الثقافي غير المادي لغرب البلاد, على غرار مختلف مناطق الوطن, حيث تواصل الذاكرة العائلية والممارسات الجماعية توارثها من جيل إلى آخر, رغم التحولات التي طرأت على أنماط الحياة وأساليب الاحتفال.
مستغانم : “التبوشير” يستعيد ذاكرة المولد النبوي الشريف ==
في مستغانم, تعيد مناسبة حلول المولد النبوي الشريف إلى أزقة المدينة العتيقة بتيجديت تقليدا راسخا في الذاكرة المحلية يعرف بـ”التبوشير”, وهو موكب شعبي يضفي على الاحتفالات أجواء مميزة.
وعلى امتداد الأزقة, يحتل الأطفال, الذين يرتدون الألبسة التقليدية, مكانة محورية في هذا الموكب, برفقة أفراد عائلاتهم, على وقع الأناشيد الدينية والزغاريد. ومن المنازل والشرفات, يتابع السكان مرور الموكب, فيما ينثر ماء الزهر على المشاركين, وفقا لعادة توارثتها الأجيال.ويمتزج في هذا المشهد الطابع الروحي بالبعد العائلي, حيث يكون الأطفال في قلب تقليد يكتشفونه من خلال معايشته, كما عاشه قبلهم آباؤهم وأجدادهم.ويرتبط “التبوشير” أيضا بالزوايا المنتشرة بمستغانم, حيث تشهد الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف تنظيم جلسات للمديح والسماع, بما يساهم في الحفاظ على تراث روحي وثقافي متجذر في المنطقة.وبعيدا عن الطابع الاحتفالي للموكب, تستعيد الذاكرة الجماعية حيويتها كل سنة في أزقة تيجديت, حيث تصبح الأناشيد والألبسة والحركات وروايات الكبار جسورا بين الأجيال, ليغدو المولد النبوي الشريف مناسبة لنقل التراث المحلي والحفاظ عليه.
تلمسان: المولد النبوي بين “الشدة” والتقاليد الغذائية وذكريات العائلة
في تلمسان, يحتفى بالمولد النبوي الشريف أيضا في كنف العائلة, في أجواء تحتل فيها التقاليد المتعلقة باللباس والمطبخ مكانة محورية.وبمناسبة هذا العيد, تحرص العديد من العائلات على إلباس أطفالها أزياء تقليدية, لاسيما “الشدة التلمسانية”, التي تعد من أبرز رموز التراث اللباسي للمدينة.
وبألبستهم الاحتفالية, يتحول الأطفال, ولو لليلة واحدة, إلى “سفراء” صغار لتراث تناقلته الأجيال جيلا بعد جيل.ولدى بعض العائلات, تمر الاحتفالات أيضا عبر زيارة المصور الفوتوغرافي لتخليد هذه اللحظات والاحتفاظ بذكريات المناسبة في ألبومات العائلة.وفي عاصمة الزيانيين, يشكل المولد النبوي الشريف جزءا من بيئة ثقافية تتميز بتراث ديني وموسيقي ثري, حيث تشكل الأناشيد الدينية والمديح واللقاءات أبرز مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة.
وهران… التقاليد العائلية تقاوم التحولات
في وهران, يحافظ المولد النبوي الشريف على بعده العائلي القوي, لاسيما في الأحياء العريقة, حيث لا يزال الاحتفال مرتبطا بلم شمل العائلات والتحضيرات المنزلية وبعض التقاليد التي تناقلها الآباء والأجداد.
ومع اقتراب المناسبة, تحضر العائلات مختلف الأطباق والحلويات, على غرار “التقناتة” أو “الطمينة”, و”التريد” أو “الرقاق”, وغيرها من الأكلات, دون إغفال طبق “البركوكس” الشهير.وتجتمع الأسر حول مائدة واحدة, وتستعيد بعضها أجواء السهرات العائلية التي ترافقها الأناشيد الدينية والشموع, وسط فرحة الأطفال الذين يرتدون الألبسة التقليدية, في مشهد يضفي على هذه المناسبة العريقة أجواء خاصة.وفي الأحياء الشعبية, لا يزال كبار السن يستحضرون ذكريات المولد في السنوات الماضية, عندما كان الجيران والعائلات يتقاسمون بشكل أكبر التحضيرات وأجواء التآخي والتآلف.
غير أن العادات تغيرت مع مرور الزمن, إذ أضيفت إلى الممارسات التقليدية مظاهر جديدة, من بينها الاستخدام غير الآمن للمفرقعات والألعاب النارية, لا سيما من طرف الأطفال والشباب.وبين تقاليد متوارثة وممارسات جديدة, يواصل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف حضوره في حياة العائلات الوهرانية, باعتباره مناسبة للقاء وصلة الرحم ونقل الموروث بين الأجيال, مع عكسه في الوقت ذاته للتحولات التي طرأت على أساليب الاحتفال.
ذكريات الكبار تروي احتفالات الأمس
وفي معسكر وغليزان, وكذا المناطق الريفية لسيدي بلعباس, تشكل ذاكرة الأجيال المتقدمة في السن مصدرا ثمينا لفهم تطور مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة.وتستحضر روايات الأجداد السهرات العائلية والتحضيرات والأطباق التي كانت تحضر خصيصا للمناسبة, فضلا عن الأناشيد التي كانت ترافق التجمعات قديما.
وتتيح هذه الشهادات الوقوف على التحولات التي طرأت على الاحتفال مع مرور الزمن, كما تكشف عن استمرار بعض التقاليد, لاسيما انتقال الوصفات والعادات العائلية إلى الأبناء والأحفاد.وهكذا, تختلف مظاهر الاحتفال من ولاية إلى أخرى, وتتأقلم الممارسات وتتوالى الأجيال, غير أن ارتباطا مشتركا بهذه المناسبة يظل قائما, إذ تعيد كل سنة إحياء جانب من الذاكرة الجماعية لسكان غرب الوطن.ويظهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في هذه المناطق ليس كتقليد فحسب, وإنما كذاكرة حية يعاد تشكيلها باستمرار من قبل أولئك الذين يتلقونها ويحافظون عليها وينقلونها بدورهم إلى الأجيال القادمة.




