الثقافة

نوري رويقم المعروف بـ”كاماتشو” …  مسيرة فنية بين “كحلة وبيضة” وألوان الإبداع

 حظي الممثل السطايفي نوري رويقم, المعروف ب “كاماتشو”, مساء أمس السبت, بتكريم خاص إلى جانب عدد من الفنانين, وذلك في حفل افتتاح الطبعة الأولى للأيام الجزائرية للسينما المعاصرة بمدينة العلمة (سطيف), التي نظمتها التعاونية الثقافية المحلية “الخيام سيميراميس”.

و قد عكست التصفيقات الحارة و الهتافات التي رافقت صعود هذا الفنان المحبوب على المنصة مدى الشعبية التي يحظى بها “كاماتشو”, والمكانة التي يحتلها في قلوب كل من اكتشفوه منذ 46 سنة عبر الشاشة الصغيرة, من خلال فيلم “كحلة وبيضة” للمخرج عبد الرحمن بوقرموح.وعلى الرغم من أن أدواره كانت تقتصر, في الغالب, على الشخصيات الثانوية والهامشية, فإن نوري رويقم كان ينجح, بفضل حضوره القوي وشخصيته المميزة, في خطف الأضواء و جلب الاهتمام من نجوم العمل. فبملامحه الخاصة ونظرته الثاقبة وحسه الاستثنائي في سرعة البديهة والرد, كان يشع بهجة وينقلها إلى من حوله. ومع ذلك, لم يكن في مسار هذا الشاب ما يوحي بأنه سيشق طريقه يوما ما فوق خشبة المسرح أو أمام كاميرا التلفزيون.ففي مرحلة المراهقة, كان يعيش حياة هادئة بعيدا عن الأضواء, يقضي معظم وقته في حي “طنجة”, أو كما يعرف بحي يحياوي بمدينة سطيف, وسط أصدقائه الذين يتقاسم معهم الأحاديث حول أكثر المواضيع تداولا, وفي مقدمتها كرة القدم ووفاق سطيف. غير أن تلك الجلسات كانت تتخللها, على نحو متزايد, جولات إلى دار الثقافة هواري بومدين, حيث كان “كاماتشو” ينصرف إلى شغفه الثاني بعد كرة القدم, ألا وهو المسرح.وبفضل دعوات أصدقائه من الممثلين والمخرجين, ولاسيما فنان المونولوج توفيق مزعاش, المعروف خصوصا بعروضه الفردية “لمفرطس” و”فرجة” و”ناقص 5″, أصبح “كاماتشو” يشارك بانتظام في المسرحيات المنتجة بسطيف, ويجوب مختلف مناطق الوطن في إطار الجولات الفنية حيث كان مزعاش أول من منحه فرصة حقيقية, حين أسند إليه دورا في مسرحية من تأليفه بعنوان “الحراق والسراب”.

وهكذا, قطع “كاماتشو” أولى خطواته الفعلية في مسار التمثيل, بوصفه هاويا أخذ يزداد طلبا وحضورا. ومع ذلك, ظلت تجربته المسرحية محدودة, إن لم نقل بعيدة عن الأضواء, إلى غاية أحد أيام ربيع سنة 1979.ويستحضر “كاماتشو” تلك اللحظة قائلا: “كنت يومها في الحي مع أصدقائي المعتادين, عندما توقفت بمحاذاتي سيارة تحمل ترقيم ولاية الجزائر (16), ونزل منها رجل لم أكن أعرفه آنذاك, قبل أن يتجه نحوي”.

ويتابع بالقول ذلك الرجل لم يكن سوى الراحل عبد الرحمن بوقرموح, الذي كان قد أنهى جولة استطلاعية بمدينة سطيف تحضيرا لتصوير فيلمه الشهير “كحلة وبيضة”, وهو العمل التلفزيوني الذي أثار اهتماما واسعا عند عرضه سنة 1980, حتى باتت كل إعادة بثه على شاشة التلفزيون الوطني, إلى يومنا هذا, حدثا يستقطب اهتمام سكان عاصمة الهضاب العليا.ويضيف مستذكرا: “استطلع بوقرموح في البداية مدى استعدادي لقبول دور في فيلمه” ثم قال و هو يبتسم: “وهل كان بإمكاني أن أرفض؟”.وبعد ذلك, سلمه المخرج نسخة من السيناريو, وحدد له موعدا للقاء في اليوم الموالي بمقهى “عند علي”, غير بعيد عن نافورة عين الفوارة, حيث كان مقررا أن تصور, بعد أيام قليلة, أولى لقطات فيلم “كحلة وبيضة”…. ومن هنا انطلقت الحكاية! احتفظ “كاماتشو” بهذا اللقب داخل الفيلم نفسه, وهو لقب أطلقه عليه نبيل زغلاوي, لاعب سابق في وفاق سطيف يقيم حاليا بتونس.ويقر الفنان بأنه شعر بشيء من الارتباك في البداية, عندما اطلع على قائمة الممثلين المشاركين في العمل, الذي جمع كوكبة من أبرز نجوم السينما الجزائرية.

ويروي, وعيناه تلمعان: “هل تتصورون ذلك؟ أنا الذي لم أقف يوما أمام كاميرا, سأمثل تحت إدارة عبد الرحمن بوقرموح, إلى جانب شافية بودراع وسيد أحمد أقومي وأحمد بن عيسى وقاسي القسنطيني والأمين بن معمر وآخرين.لقد كان حلما أعيشه بعينين مفتوحتين, ولم أكن أكاد أصدق أنه سيتحقق”.وبعد أن خفتت وطأة المفاجأة الأولى, تمكن نوري رويقم, الذي يناهز عمره اليوم 64 سنة, من أداء دوره على نحو موفق إلى جانب نجوم كان يكن لهم الإعجاب. بل إنه أضفى على مشاركته لمسة فنية إضافية, حين أدى, تلبية لمتطلبات الفيلم, أغنية “صبرت صبرت”, إحدى روائع الموسيقى السطايفية, التي أصبحت من أكثر اللحظات تأثيرا في عمل بوقرموح.

وقد فتحت هذه التجربة الأولى أمام الكاميرا, وإن لم يكن فيها “كاماتشو” بطل الفيلم, آفاقا جديدة أمامه, ورسمت له طريقا نحو الاحتراف في مجال التمثيل, إذ أصبح يشارك بانتظام في أفلام تلفزيونية و مسلسلات كوميدية قصيرة وغيرها من الأعمال التي ينتجها التلفزيون الجزائري.وكان رويقم يتعامل مع الأدوار المسندة إليه بجدية واهتمام كبيرين, مستندا إلى دعم صديقه ورفيق دربه الدائم لمين كعوان, وهو ممثل آخر يتمتع بموهبة كبيرة.وقد أصبح بذلك من الوجوه المحببة لدى عدد من المخرجين الجزائريين, الذين ما زالوا يسندون إليه, إلى اليوم, أدوارا في مسلسلات عائلية تلفزيونية تبث عادة خلال سهرات شهر رمضان الفضيل.وهكذا, شق نوري رويقم, ابن حي “طنجة”, طريقه تدريجيا في عالم الفن والفرجة, إلى أن بلغ استوديوهات التلفزيون الجزائري, تاركا بصمته في تجربة فيلم “كحلة وبيضة” وما تلاها من مسار فني.فقليل هم الذين ينجحون في جعل الفن مصدر عيشهم ومهنتهم في آن واحد, غير أن “كاماتشو” استطاع أن يجعل من شغفه بالفن محركا لمسيرة مهنية ناجحة.

 

ق.ث/الوكالات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى